ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

28

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

شعر لنا من ربيعة الفرس * ينتف عثنونه من الهوس أنطقه الله بالمشان وقد * ألجمه في بغداد بالخرس وهذا مما يعجب منه وسئلت عن ذلك فقلت : لا عجب ، لأن المقامات مدارها جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص . وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له ؛ لأن المعاني تتجدد فيها بتجدد حوادث الأيام ، وهي متجددة على عدد الأنفاس ، ألا ترى أنه إذا خطب الكاتب المفلق عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور ، وسعي مذكور ، ومكث على ذلك برهة يسيرة لا تبلغ عشر سنين ، فإنه يدون عنه من المكاتبات ما يزيد على عشرة أجزاء كل جزء منها أكبر من مقامات الحريري حجما ؛ لأنه إذا كتب في كل يوم كتابا واحدا اجتمع من كتبه أكثر من هذه العدة المشار إليها ، وإذا نخلت وغربلت واختير الأجود منها إذ تكون كلها جيدة فيخلص منها النصف ، وهو خمسة أجزاء والله يعلم ما اشتملت عليه من الغرائب والعجائب ، وما حصل في ضمنها من المعاني المبتدعة ، على أن الحريري قد كتب في أثناء مقاماته رقاعا في مواضع عدة ، فجاء بها منحطة عن كلامه في حكاية المقامات ن لا ، بل جاء بالغث البارد الذي لا نسبة له إلى باقي كلامه فيها ، وله أيضا كتابة أشياء خارجة عن المقامات ، وإذا وقف عليها أقسم أن قاتل هذه ليس قائل هذه ؛ لما بينهما من التفاوت البعيد . وبلغني عن الشيخ أبي محمد ] عبد الله بن أحمد [ بن الخشاب النحوي رحمه الله أنه كان يقول : ابن الحريري رجل مقامات : أي أنه لم يحسن من الكلام المنثور سواها ، وإن أتى بغيرها لا يقول شيئا . فانظر أيها المتأمل إلى هذا التفاوت في الصناعة الواحدة من الكلام المنثور ؛ ومن أجل ذلك قيل : شيئان لا نهاية لهما : البيان ، والجمال . وعلى هذا فإذا ركب الله تعالى في الإنسان طبعا قابلا لهذا الفن فيفتقر حينئذ إلى ثمانية أنواع من الآلات .